عبد الكريم الخطيب
616
التفسير القرآنى للقرآن
فالمناسبة ظاهرة بين هذه الآية والآيات التي قبلها ، والتي كان من دعوتها ، ألّا يحسن الإنسان الظن بنفسه ، وألا يزكيها ، ويعللها بتلك الأوهام الخادعة . . فجاءت هذه الآية عارضة لضحية من ضحايا الخداع النفسي ، الذي يورد صاحبه موارد الضلال والهلاك . . وقوله تعالى : « تولّى » أي أعرض عن ذكرنا ، وكذّب برسولنا . وقوله تعالى : « وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى » . . الواو هنا واو الحال ، والجملة حال من فاعل « تولى » على تقدير الحرف « قد » بعدها ، أي تولى وقد أعطى قليلا وأكدى . وإعطاء القليل ، هو ما أعطاه من نفسه من ميل قليل إلى الاستجابة للرسول والإيمان به . . ثم لم يلبث أن غلبته نفسه الأمارة بالسوء ، واستبدّ به طبعه النكد فنكص على عقبه ، وأبى على هذه الشرارات المضيئة أن تنطلق من نفسه ، فتضىء له طريقه إلى اللّه . . فأمسك بها ، وأطفأ جذوتها . وقوله تعالى : « وأكدى » أي شحّ وبخل ، وصار أشبه بالكدية ، وهي الأرض الصلبة ، التي لا تنبت نباتا ، ولا تفجر ماء . وقوله تعالى : « أَ عِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى » استفهام إنكاري لهذا الاتجاه الذي أخذه هذا الضال ، بعد أن أقام وجهه قليلا على مطلع الهدى والنور ثم عدل عنه . . فعلى أي أساس أقام وجهه على هذا الطريق الضال ؟ وبأية حجة أو برهان قدر لنفسه هذا الخير الذي يمنيها به على هذا الطريق ؟ أطّلع الغيب ، فرأى عاقبة أمره ، وما ينتظره على هذا الطريق ؟ أم أنه يضرب على غير هدى ، لا يصحبه على طريقه هذا إلا السراب الخادع الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، ووجد الحسرة والندم ملء يديه ؟ . . ومثل هذا قوله تعالى : « أَ فَرَأَيْتَ